عبد الإله الجوهري
الأقصر ليست فقط مدينة تحتضن ثلث التراث الفرعوني، ولا مدينة مستلقية عند شاطئ النيل تغسل أطرافها بماء الطهر والحضارة، ولا حاضرة تستقبل الآلاف من السياح بكثير من الحب والمحبة، بل شاشات سينمائية تعكس نور التوهج المفتوحة على عمق القارة السمراء، شاشات تكرس حضور الهويات المتفردة لقارة كانت عبر التاريخ منبعا للجمال.
الغابات، والأحراش، والكثبان الرملية، والواحات الخضراء، جميعها تجتمع كل سنة، مدة أسبوع، للاحتفال ببهاء اللحظات المضمخة بعطر الفن والمعرفة، وذلك من خلال العروض الفيلمية، واللقاءات، والندوات، والجلسات الثقافية المتمحورة جميعها حول مواضيع وقضايا الفن السابع، الفن الذي أوجد لحب السينما وممارسة طقوسه المقدسة، منذ سنة 2012، ملجأ سنوي يسمح له بالإحتفاء، وإقامة الأعراس الخاصة بسينما القارة الإفريقية.
الدورة 15، التي نظمت في الفترة التي امتدّت بين 29 مارس و4 أبريل 2026، جاءت لتؤكد، مرة أخرى، على الطابع المختلف، فنيا وثقافيا، لهذا المهرجان، ولتسجيل التحدي الكبير الذي يتحقق رغم ضعف الإمكانيات، وظلال الحرب الغاشمة الظالمة التي تدور هناك في الخليج العربي، ومعها أنواء الضغط الاجتماعي، والمزايدات الكلامية الشعبوية، التي لا تبقي ولا تذر، عن ضرورة مواجهة أزمات المجتمع، بدل الاهتمام بأنشطة لا توفر خبزا للشعب، حسب قناعاتهم المأفونة..
سيد فؤاد وعزة الحسيني، ثنائي من فضة وذهب، لم يرفعا اليد أو يستسلما، رغم التحديات وثقل المسؤوليات، ورغم الإكراهات الساحقة لم يخرجا ببلاغ أو تدوينة بكائية بحثا عن تعاطف فج، بل تدثرا بعباءة الإيمان الحق، وشمرا على السواعد، وقررا مجابهة التحديات بعزيمة الكبار، ليس لهما غير الحب الصادق لبعض الأصدقاء، ودعم الجهات الحكومية، وجهات خاصة واعية لازالت تؤمن بدور الفن والثقافة في تحريك عجلة الواقع الذي يريد البعض أن يظل حبيسا منغلقا على نفسه وهمومه واشكالياته العديدة الكثيرة، وأن يظل منكمشا ومنشغلا بايجاد الحلول لمشكل الخبز، والبنيات التحتية وكفى، كأن الإنسان لا يجب أن يعيش إلا بالماء والخبز والأمور المادية المباشرة..
النداء كان ضاجا بقيم التحدي، فجاء عشرات النجوم، وعدد كبير من الضيوف، توافدوا من أجل الحضور، ودعم فعاليات الدورة، والمساهمة في تألقها فنيا وجماهيريا، نجوم يتقدمهم النجم محمود حميدة الذي أصبح اسمه ملتصقا بهذا المهرجان، الذي راهن منذ بداياته عليه، ولا زال يراهن اليوم، كما يراهن على حشد كبير من المثقفين والفنانين، عبر تحويله إلى حج سنوي يحضره عشرات عشاق الصورة السينمائية وأصحاب الإرادات الخلاقة التي تحب كل الخير لبلدها وجماهيرها.
يوسف شاهين لم يحضر اسمه، خلال هذه الدورة، كما لم تحضر أفلامه للزينة فقط، والقول، أن المهرجان يتذكر الكبار ممن صنعوا أمجاد السينما المصرية، بل حضر كفعل ثقافي رفيع، حرك الماء الراكد، وجعل الجميع يسعى لمعاودة مشاهدة أفلام شاهينية خالدة، أفلام يتقدمها فيلم “الناس والنيل”، الذي قدم في عرض احتفالي خاص كبير، وفيلم “الأرض”، الذي أعاد إلى الأذهان أصالة تجربة شاهين، تجربة انطلقت من الواقع السينمائي الجماهيري ولتتوقف عند محطة السينما الواقعية الملتزمة، قبل أن تفرد الجناحين، وتنجز أعمالا يختلف الناس حولها من حيث الفهم والقراءة والتحليل، لكن الكل يتفق على أهميتها وخلودها، أفلام من طينة “باب الحديد”، و”الاختيار”، و “العصفور”، و”عودة الابن الضال”، و”الآخر”، و”المصير”، وهلما جرا.
في هذا السياق، وسياقات أخرى لها علاقة بضرورة التمسك بقيم الوفاء، تم تكريم مجموعة من الفنانين الذين اشتغلوا مع هذا المخرج الملقب ب “جو”، وساهم كل واحد من مواقعه في تكريس تجربته السينمائية الخلاقة، وهم: سيف عبد الرحمان، وسهير المرشدي، ومحسن محي الدين، ونجوى إبراهيم،، تكريمات تمت بحضور العراب، والتوأم لروح شاهين، السينمائي جابي خوري.
في نفس السياق، وكتحية لبعض من كبار السينما بافريقيا، تم استحضار روح المخرج الجزائري الكبير الراحل لخضر حامينا، من خلال تكريم باذخ مستحق، وكلمة ألقاها مدير مهرجان عنابة السينمائي، الصحفي والناقد محمد علال. كما تم التوقف بكثير من الحب عند مساهمات الناقد الأستاذ الراحل فاروق عبد الخالق، وشاعر السينما المالية سليمان سيسي.
احقاقا للحق، المهرجان وهو يكرم من رحل، لم ينسى الوقوف عند تجارب الأحياء ممن قدموا الشيء الكثير للسينما العربية والإفريقية، مكرمون وقف الجمهور لتحيتهم الواحد بعد الآخر، خلال حفل الافتتاح، ومنحهم ما يستحقون من تقدير وتبجيل وشهادات ودروع سلمت لهم فوق الركح الذي كان ينوء من ثقل المجد، وحب الاعتراف بتجاربهم، وهم يمرون الواحد تلو الآخر، بكثير من الفخر والاعتزاز لأن ممارساتهم السينمائية وجدت من يحتفي بها ويمنحها ما تستحق من التبجيل والتقدير، هكذا، وقف الجمهور لتحية هؤلاء الكبار الذين كان لهم حظ الحضور والتكريم، وهم: المخرج الجنوب الإفريقي نتشافيني وا لورولي، والسينمائي المغربي جمال السويسي، ومعهما النجم المصري خالد الصاوي، وطبعا المتألقة ريهام عبد الغفور، والمخرج المصري محمد أمين، والمخرج البوركينابي داني كوياتي.
فقرات المهرجان تنوعت وتعددت واختلفت حد التخمة من حيث العروض الفيلمية والمشاهدات البصرية الفنية سواء داخل المسابقات الرسمية أو العروض الموازية، التي جاءت لا لتملأ الفراغ، بل لتمنح الجمهور المواكب أفلاما تنبض بالخلق والإبداع، وفتح حوارات بكثير من الحب، ومديح الفن السابع الإفريقي.
الماء عصب الحياة، والسينما روح الحياة، فكان لابد من التفكير في كيفية أن يتكاملا من أجل بيئة إنسانية سليمة، وواقع إنساني حقيقي. في هذا الإطار شهد المهرجان مؤتمرا احتضن مجموعة من المداخلات والنقاشات المختلفة حول موضوع “السينما والماء”، لعل من أكثر المشاركات قوة وعمقا، الأرضية التي تقدمت بها المخرجة أميرة الفقي، المنسقة العامة لمهرجان بورسعيد السينمائي، ومداخلة الخبير الهولندي كيس سلوف، الذي ساهم بورقة جاءت غنية بالمعطيات والمقترحات الخلاقة. إلى جانب هذا، تم عرض وصلات وأشرطة وثائقية ترجمت روح توجهات المداخلات والنقاشات، أشرطة روت لنا حكاية الماء سينمائيا
أخيرا وليس آخرا، المهرجان أقام احتفالية حول السينما ومهرجاناتها الموزعة على دول إفريقيا، احتفالية ساهم فيها أكثر من عشرة مدراء مهرجانات، كما تضمنت توصيات قيمة ومقترحات عملية، سعت إلى محاولة ضبط أجندات ومواعيد وبرامج هذه المهرجانات بما يخدم حسن التنظيم وزرع قيم التكامل وتجنب السقوط في فخ اللصق والتكرار.
خلاصة: لن أدخل في تفاصيل الحفلات والجوائز والأنشطة الموازية التي تعددت وتنوعت بحيث يصعب إجمالها في ورقة مختصرة، كما ان الأصدقاء والزملاء قاموا بالواجب في هذا الباب، لكن ما أصر على الإشارة إليه والتأكيد عليه، أن المهرجان، بالنسبة لي، لحظة مشعة بالجمال والبهاء، و أرضية حقة لتعميق الحب وتجذير العلاقات الإنسانية، وهو ما يجعلني أؤكد وأكرر كما جاء أشار إلى ذلك رئيس تحرير نشرة المهرجان، الصحفي جمال عبد الناصر بقوله: “لا يبدو مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية مجرد تظاهرة فنية، بل فعلا ثقافيا وإنسانيا يعيد تعريف علاقاتنا بالصورة، وبالآخر، وبأنفسنا”، وقد جاء كل هذا ملخصا في جملة واحدة على لسان مديرة المهرجان، السيدة عزة الحسيني : “الأقصر نبض السينما الإفريقية”، نبض أحسست بصدقيته ومصداقيته، وأنا أتجول في الشوارع والأزقة والأسواق، حيث كنت أسمع مرار زتكرارا، كلما اقتربت من مدخل مقهى أم كلثوم الرابض وسط السوق الشعبي الأكثر شهرة بالمدينة، “ديما مغرب”، جملة كان يرددها الباعة جماعة وباصوات عالية، لتوحدهم بي واستئناسهم بحضوري، حيث أصبحت في مدة قصيرة صديقا لهم يعاكسونني وأعاكسهم، بكثير من الحب والاحترام، وهم يحادثونني عن انجازات المغرب كرويا
